الطبراني

123

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

التوراة والإنجيل أن أوحيه إليك . وقيل : ( ألم ) ابتداء ؛ و ( ذلِكَ ) ابتداء آخر ؛ و ( الْكِتابُ ) خبره ، والجملة خبر الأول . وقال بعض المفسرين : اختلف في ( ذلِكَ الْكِتابُ ) ، فقال الحسن وابن عباس وقتادة ومجاهد : ( هو القرآن ) . فعلى هذا يكون ( ذلِكَ ) بمعنى ( هذا ) كقوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا « 1 » أي هذه حجّتنا « 2 » . وقيل : معناه : ( ذلِكَ الْكِتابُ ) الذي ذكرته في التوراة والإنجيل . وقوله عزّ وجلّ : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ؛ أي لا شكّ فيه . ونصب ( رَيْبَ ) لتعميم النفي ؛ ألا ترى أنك تقول : لا رجل في الدار ؛ بالنصب ، فيكون نفيا عامّا . وإذا قلت : لا رجل في الدار ؛ بالرفع ، جاز أن يكون في الدار رجلان أو ثلاثة « 3 » .

--> ( 1 ) الأنعام : 83 . ( 2 ) فائدة : أن ( ذلك ) و ( هذا ) حرفا إشارة ، وأصلهما ( ذا ) لأنه حرف الإشارة ، قال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي [ البقرة : 245 ] ، ومعنى ( ها ) تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه ، فقيل : ( هذا ) أي تنبّه أيها المخاطب لما أشرت إليه ، فإنه حاضر معك بحيث تراه . وقد تدخل ( اللام ) و ( الكاف ) على ( ذا ) للمخاطبة ولتأكيد معنى الإشارة ، فقيل : ( ذلك ) فكأن المتكلم بالغ في التنبيه ؛ للفت انتباه المخاطب إلى المشار إليهلتأخره عنه . مما يدل على أن لفظة ( ذلك ) لا تفيد البعد في أصل الوضع ، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها . فصارت كالدابة فإنها مختصة في العرف بالفرس وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض . وإذا ثبت هذا فنقول : إن مقتضى الحال في السياق ل ( ذلك ) يحمل على أصل الوضع اللغوي ، لا على مقتضى الاستعمال العرفي ، وحينئذ لا يفيد البعد المكاني ، وإنما يفيد البعد الذهني لانشغاله عن المطلوب ، فتطلّب لفت النظر للفكر بحرف الإشارة للبعيد ، وموضوعه هنا القريب بقصد المبالغة في التأكيد . ولأجل هذه المقارنة قام كل واحد من اللفظين مقام الآخر نظير قوله تعالى : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ ق : 19 ] واللّه أعلم . ( 3 ) الريب : قريب من الشك ، وليس بشك ؛ في الكليات : ص 464 : فصل الراء : قال الكفوي : « كل ما في القرآن من ريب فهو شك ، إلا رَيْبَ الْمَنُونِ [ الطور : 30 ] فإن المراد حوادث الدهر » . وهذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين . والريب في اللغة : صرف الدهر ؛ أي الحوادث ؛ والحاجة ؛ والظنة ؛ والتهمة ؛ كالرّيبة بالكسر . يقال : رابني كذا ، وأرابني ، فهو أن تتوهم بالشيء أمرا ما ، فينكشف عما تتوهمه ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [ الحج : 5 ] وقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] تنبيها على أنه لا ريب فيه . -